الشريف المرتضى

180

الذخيرة في علم الكلام

الثواب والعقاب ، غير أن ما لا يتم هذا العلم إلا به - ولا بدّ منه - جار مجرى اللطف في الحاجة إليه ، وتناول التكليف له . فأمّا الذي يدل على أن المعرفة الضرورية لا تقوم مقام المكتسبة في اللطف : أن من المعلوم المتقرّر أن من تحمل مشقة عظيمة لكي « 1 » يصل إلى فعل غرض من الاغراض ، يكون أقرب إلى فعل ذلك الغرض إذا تحمل المشقة في الطريق إليه من إذا لم يكن عليه مشقة . ألا ترى أن من تكلف مئونة عظيمة في بناء دار ليسكنها ، فإنه يكون أقرب إلى سكناها وأحرص عليه منه إذا وهبت له تلك الدار ووصلت إليه بلا مشقة . وكذلك من سافر إلى طلب العلم والأدب وتحمل المشاق ، يكون أقرب إلى التأدب والتعلم ممن « 2 » إذا جاء إليه العلماء في بلده في داره من غير كلفة . وأمثلة ذلك كثيرة معروفة . وإذا كان المعرفة انما تراد وتدعو إلى فعل الواجب وتصرف عن فعل القبيح ، وجب أن لا تقوم الضرورية ، ولا مشقة فيها مقام المكتسبة على ما بيناه . ومما يدل أيضا على ذلك : أنا قد علمنا يقينا من أحوال أنفسنا أننا غير مضطرين إلى هذه المعارف ، وانما الكلام في أحوال غيرنا ، فلو كانت المعرفة تكون ضرورية لبعض المكلفين ، لوجب تساوي جميعهم في الاضطرار إليها ، لأن الوجه الذي يقتضي في بعضهم أن يفعل هذه المعرفة قائم في الجميع ، لأن الذي يمكن أن يقال إن كونها « 3 » ضرورية أبلغ وأقوى في باب اللطف ، أو لأن الغرض حصول العلم . وهذان الوجهان يوجبان أن يتساوى الخلق في الاضطرار إليها ، وقد علمنا خلاف ذلك .

--> ( 1 ) في النسختين « لكن » . ( 2 ) في النسختين « من » . ( 3 ) في النسختين « لونها » .